الايام نت

المكان أنبت جائزة المنامة .. والزمان يستدعيها

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13659 الاثنين 31 أغسطس 2026 الموافق 18 ربيع الأول 1448



مقال‭ ‬للكاتب‭ ‬سليمان‭ ‬جودة


أطلقت‭ ‬البحرين‭ ‬جائزتها‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬باسم‭ ‬عاهلها‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى،‭ ‬فجاءت‭ ‬وكأنها‭ ‬الفاكهة‭ ‬تنزل‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬موسمها‭ ‬فلا‭ ‬تتأخر‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬تتقدم،‭ ‬أو‭ ‬كأنها‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مضروب‭ ‬لا‭ ‬تتخلف‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬تغيب‭.‬


وقد‭ ‬أبدع‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬الشام‭ ‬حين‭ ‬لخصوا‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬صارت‭ ‬مثلاً‭ ‬يردده‭ ‬الناس‭ ‬فقالوا‭: ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬وقته‭ ‬حلو‭. ‬والحلاوة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬بالطبع‭ ‬‮«‬حلاوة‭ ‬مذاق‮»‬‭ ‬ولكنها‭ ‬‮«‬حلاوة‭ ‬توقيت‮»‬‭ ‬يأتي‭ ‬فيه‭ ‬الشيء‭ ‬فيبدو‭ ‬كالشمس‭ ‬تطلع‭ ‬في‭ ‬توقيتها‭ ‬الصباحي‭ ‬الثابت‭ ‬فكأنهما‭ ‬قرينان،‭ ‬أو‭ ‬تذهب‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬النهار‭ ‬فيبدو‭ ‬ذهابها‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الحضور‭.‬


شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬تجده‭ ‬في‭ ‬الجائزة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬عاهل‭ ‬البحرين،‭ ‬والتي‭ ‬ارتفعت‭ ‬بقيمتها‭ ‬المادية‭ ‬إلى‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬فكأنها‭ ‬تنازع‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬في‭ ‬قيمتها‭ ‬رأساً‭ ‬برأس‭ ‬ورقماً‭ ‬برقم‭.‬


ولا‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمتها‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬السقف،‭ ‬إلا‭ ‬قيمها‭ ‬المعنوية‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬تبشر‭ ‬بمعنيين‭ ‬اثنين،‭ ‬ثم‭ ‬تؤسس‭ ‬لهما‭ ‬على‭ ‬مستويين‭: ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭.‬


تأتي‭ ‬كفاكهة‭ ‬الصيف‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬ولا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إطلاقها‭ ‬توازى‭ ‬مع‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬ڤيديو‭ ‬شاع‭ ‬وانتشر‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬وأثار‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬من‭ ‬السخط‭ ‬والغضب‭. ‬ففيه‭ ‬كانت‭ ‬المذيعة‭ ‬تسأل‭ ‬المستوطن‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يهودا‭ ‬شيمون‭ ‬عما‭ ‬يرتكب‭ ‬هو‭ ‬وزملاؤه‭ ‬المستوطنون‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أصحاب‭ ‬الأرض،‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬يجيب‭ ‬على‭ ‬سؤالها‭ ‬فيقول‭ ‬إن‭ ‬حياة‭ ‬اليهودي‭ ‬الواحد‭ ‬تساوي‭ ‬حياة‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني،‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬فلسطيني‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬عشرة،‭ ‬ولا‭ ‬مائة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬ألفاً‭ ‬أو‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭. ‬قيل‭ ‬هذا‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة،‭ ‬وأُذيع،‭ ‬وانتشر،‭ ‬وسمعه‭ ‬العالم‭ ‬بأذنيه،‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يذهب‭ ‬أحد‭ ‬ليأخذ‭ ‬المستوطن‭ ‬بما‭ ‬قال‭ ‬إلى‭ ‬العدالة‭.‬


وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الجائزة‭ ‬تتبنى‭ ‬ثقافة‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيزها،‭ ‬فهي‭ ‬ثقافة‭ ‬تبدو‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬امتداده،‭ ‬ولكن‭ ‬غيابها‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬منظر،‭ ‬بمثل‭ ‬ما‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬الڤيديو‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬حديث‭ ‬المستوطن‭ ‬المتمادي‭ ‬في‭ ‬كراهية‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬حديثه‭ ‬يعاقب‭ ‬عليه‭ ‬القانون‭ ‬الإنساني‭ ‬الفطري‭ ‬في‭ ‬العموم،‭ ‬لا‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي‭ ‬في‭ ‬حدوده‭.. ‬فما‭ ‬يقوله‭ ‬دعوة‭ ‬صريحة‭ ‬للقتل‭ ‬لا‭ ‬تتوارى‭ ‬ولا‭ ‬تتخفى‭ ‬وراء‭ ‬ستار‭!‬


هو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬اليهودي‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬من‭ ‬فارق،‭ ‬ومع‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يلقاه‭ ‬حديثه‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬مؤكد‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬يهود‭ ‬كثيرين‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬يعيشون‭ ‬حيث‭ ‬يعيشون،‭ ‬ولا‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬إسرائيليين،‭ ‬ويقفون‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬ترتكبه‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ويخرجون‭ ‬ليعلنوا‭ ‬ذلك‭ ‬كلما‭ ‬وجدوا‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬سبيلاً،‭ ‬ولا‭ ‬يقبلون‭ ‬بالخلط‭ ‬بين‭ ‬اليهودي‭ ‬صاحب‭ ‬الديانة‭ ‬السماوية،‭ ‬وبين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬انسلخ‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬ديانته،‭ ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬يتبنى‭ ‬عقيدة‭ ‬صهيونية‭ ‬ترتكب‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الغير‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تُقره‭ ‬الديانة‭ ‬ولا‭ ‬توافق‭ ‬عليه‭.‬


ومن‭ ‬قبل‭ ‬المستوطن‭ ‬كان‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬غفير،‭ ‬وزير‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬قد‭ ‬ألح‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬حكومته‭ ‬علناً‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬ثلاثين‭ ‬أو‭ ‬أربعين‭ ‬فلسطينياً‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭!‬


ومن‭ ‬بعد‭ ‬المستوطن‭ ‬والوزير‭ ‬كان‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قد‭ ‬أخذ‭ ‬معولاً،‭ ‬ثم‭ ‬انهال‭ ‬على‭ ‬نصب‭ ‬تذكاري‭ ‬للشهداء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الضفة،‭ ‬فلم‭ ‬يتركه‭ ‬إلا‭ ‬حطاماً‭ ‬وركاماً،‭ ‬وكأنه‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬التطرف‭ ‬الذين‭ ‬انهالوا‭ ‬على‭ ‬تماثيل‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬فلم‭ ‬يغادروها‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬صارت‭ ‬تراباً‭ ‬أو‭ ‬كالتراب‭!‬


هذه‭ ‬نماذج‭ ‬ثلاثة‭ ‬رآها‭ ‬الناس‭ ‬رأي‭ ‬العين،‭ ‬وأحسوا‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬نزع‭ ‬فتيلها‭ ‬إلا‭ ‬حضور‭ ‬ثقافة‭ ‬التعايش،‭ ‬وإلا‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬التسامح،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬سوف‭ ‬يستدعي‭ ‬هاتين‭ ‬الثقافتين‭ ‬إلا‭ ‬تشجيعهما،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬سوف‭ ‬يشجعهما‭ ‬إلا‭ ‬إغراء‭ ‬المؤمنين‭ ‬بهما‭ ‬بأن‭ ‬ينقلوا‭ ‬إيمانهما‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬الإيمان‭ ‬إلى‭ ‬مربع‭ ‬العمل‭ ‬بهما‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬فالتعايش‭ ‬ليس‭ ‬كلمة‭ ‬تقال،‭ ‬ولكنه‭ ‬حياة‭ ‬تُمارَس‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬الناس،‭ ‬والتسامح‭ ‬ليس‭ ‬شعاراً‭ ‬نرفعه،‭ ‬ولكنه‭ ‬جهد‭ ‬نبذله‭ ‬وعمل‭ ‬نقدمه‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬تراهن‭ ‬عليه‭ ‬الجائزة،‭ ‬وتراه‭ ‬أمامها‭ ‬متحققاً‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬المرء‭ ‬خطوط‭ ‬الكفين‭ ‬في‭ ‬يديه‭.‬


وليست‭ ‬الجائزة‭ ‬عملاً‭ ‬في‭ ‬وقته‭ ‬وفقط،‭ ‬ولكنه‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬أيضاً،‭ ‬فالمنامة‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬فضاءها‭ ‬لحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬حضره‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬الطيب،‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر،‭ ‬والبابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬الأول،‭ ‬بابا‭ ‬الڤاتيكان‭ ‬الراحل،‭ ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬2017‮»‬‭ ‬داعيةً‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬الدين‭ ‬والمعتقد‭ ‬ورفض‭ ‬التطرف‭ ‬والكراهية‭.‬


هذه‭ ‬جائزة‭ ‬أنبتها‭ ‬مكانها‭ ‬واستدعاها‭ ‬زمانها،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬زمانها‭ ‬إلا‭ ‬ليستدعيها‭ ‬وهو‭ ‬الشاهد‭ ‬على‭ ‬وقائع‭ ‬عضو‭ ‬الكنيست‭ ‬والمستوطن‭ ‬والوزير،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬مكانها‭ ‬إلا‭ ‬لينبتها‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬استقبل‭ ‬البابا‭ ‬والإمام‭.‬


كلمات مفتاحية
Show more